ابن قتيبة الدينوري
مقدمة الطبعة الثانية 4
المعارف
المتوكل العباسي سنة 247 ه ، وكان ابن قتيبة عندها قد جاوز الثلاثين بقليل ، ثم إذا هو يعيش بعد هذا ليشهد هذه الفوضى تمتد وتستفحل ويرى بعينيه مقتل المستعين با لله سنة 252 ه ، ثم مقتل المعتز با لله سنة 255 ه على أبشع صورة يدبرها قاتل لمقتول ، فلقد دخل عليه الأتراك فأوسعوه ضربا وأحرقوا ثيابه ثم جروه برجليه إلى صحن الدار في العراء حيث الشمس المحرقة ، وتركوه ملقى على الأرض يرفع رجلا ويضع أخرى من شدة أذى الحر . ومن بعد مصرع المعتز كان مصرع المهتدي با لله سنة 256 ه على يد الأتراك ، ولقد شهده ابن قتيبة أيضا كما شهده غيره مما سبق . وكما كانت حياة الخلفاء كانت حياة الناس ، وكما عاش الخلفاء على رهب وفزع عاش الناس على خوف وحذر لا يملكون أن يقولوا ولا أن يفصحوا ، وكانت هذه الحياة الرهيبة المسكتة للألسن لها هذا الأثر الثاني الَّذي أرادته ، ولكنه كان أثرا ذا مظهر آخر كما قلت ، مظهر يطوى تحته الخشية والتحرز ، فلم يعد الشعراء يملكون النفوس الجريئة والعواطف المنطلقة ، ولم يعد الكتّاب يملكون الأقلام المتحررة ، من أجل ذلك خمدت في الشعر جذوته ، ومن أجل ذلك التزم الكتّاب جانب الخشية والحذر . وقد لا نلمس ذلك واضحا مع جامعي الأخبار الأدبية ، ولكنا نكاد نلمسه جليّا مع المؤرخين حين يتناولون تلك الحقبة التي عاشوها بالحديث عنها ، فنرى ابن قتيبة ، وهو الَّذي عاش مع تلك الأحداث وأحس ألمها ومضاضتها ، حين يترجم للمتوكل ، ثم للمستعين با لله ثم للمعتز ثم للمهتدى ، يوجز أخبارهم إيجازا غريبا فتكاد الترجمة لا تزيدا على السطر أو السطرين ، ولا يعنينا فيها هذا الإيجاز وإنما يعنينا فيها ذلك الحديث العابر الفاتر الَّذي يخلو من أية إشارة إلى ما كان ، فهو لا يزيد في وصف مقتل كل منهم على كلمته المألوفة : « وقتل في سنة . . . » وهذا الَّذي خطه ابن قتيبة لنفسه خط مثله ابن حبيب لنفسه ولم يزد هو الآخر شيئا . هذا هو المظهر الَّذي نعنيه ، والَّذي كان أثرا من آثار ذلك الإرهاب . والطريف أن ابن حبيب ، وابن قتيبة من بعده ، حين وجدا أنهما مضطران لهذا فيما وقع